فصل: قال الثعلبي:

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال: ويجوز أن قوله ثم ائتوا مصطفين، أي: مجتمعين ليكون أنظم لكم ولأمركم، وأشد لهيبتكم.
{وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى}، يعني: قد فاز ونجا اليوم من علا بالغلبة.
ثم جمع فرعون بينهم وبين موسى عليه السلام {قَالُواْ يا موسى}، يعني: السحرة، {إِمَّا أَن تُلْقِىَ}؛ يعني: أن تطرح عصاك على الأرض، {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى} إلى الأرض.
{قَالَ} لهم موسى: {بَلْ أَلْقُواْ}، فألقوا في الكلام مضمر.
{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ}، يعني: تراءت إلى موسى {مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى}، يعني: كأنها حيات.
وروي عن الحسن أنه كان يقرأ بالتاء {تُخَيَّلُ} لأن جمع العصي مؤنث، وقراءة العامة بالياء يعني: سعيها.
{فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً موسى}، يعني: أضمر في قلبه الخوف، وخاف أن لا يظفر به إن صنع القوم مثل ما صنع؛ ويقال: خاف من الحيات من جهة الطبع.
{قُلْنَا لاَ تَخَفْ}، يعني: أوْحَى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن لا تخف {إِنَّكَ أَنتَ الاعلى} يعني: الغالب.
قوله تعالى: {وَأَلْقِ مَا في يَمِينِكَ}، يعني: اطرح ما في يمينك من العصا، {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ}؛ يعني: تلقم ما عملوا.
{إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ}، يعني: عمل سحر.
قرأ عاصم في رواية حفص {تَلْقَفْ} بالجزم والتخفيف؛ وقرأ ابن كثير في الروايتين {تَلْقَفْ} بالنصب والتشديد وضم الفاء، وقرأ الباقون بجزم الفاء لأنه جواب الأمر؛ وقرأ حمزة والكسائي {كَيْدَ ساحر} بغير ألف، وقرأ الباقون {كَيْدُ سَاحِرٍ}، وقال أبو عبيد: بهذا نقرأ، لأن إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السحر.
وقرأ بعضهم {كَيْدَ ساحر} بنصب الدال جعله نصبًا لوقوع الفعل عليه وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ}؛ وهذا كقوله: إنما ضربت زيدًا؛ وقراءة العامة بالضم، لأنه خبر إن وما اسم، ومعناه إن الذي صنعوه كيد سحار.
{وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى}، أي: حيثما عمل؛ ويقال: لا يفوز حيثما كان وذهب.
قوله تعالى: {فَأُلْقِىَ السحرة سُجَّدًا}، يعني: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا وهذا قول الأخفش؛ وقال الفراء والقتبي: وقعوا للسجود {قَالُواْ امَنَّا بِرَبّ هارون وموسى} يعني، صدقنا به {قَالَ} لهم فرعون: {قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ}، يعني: قبل أن آمركم {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ}، يعني: موسى لعالمكم.
{الذى عَلَّمَكُمُ السحر}؛ وإنما أراد به التلبيس على قومه، لأنه علم أنهم لم يتعلموا من موسى، وإنما علموا السحر قبل قدوم موسى وقبل ولادته.
ثم قال: {فَلاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ}، اليد اليمنى والرجل اليسرى.
{وَلاصَلّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النخل}، يعني: على أصول النخل على شاطىء النيل، {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وأبقى}؛ يعني: وأدوم أنا أم رب موسى.
{قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ}، أي: لن نختار عبادتك وطاعتك ولن نتبع دينك {على مَا جَاءنَا مِنَ البينات}، يعني: على دين الله بعدما جاءنا من العلامات {والذى فَطَرَنَا}، يعني: ولا عبادتك على عبادة الذي خلقنا، ويقال: هو على معنى القسم، أي: لن نختارك ودينك والذي فطرنا.
{فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ}؛ يقول اصنع ما أنت صانع فاحكم فينا من القطع والصلب ما شئت.
{قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا}، يقول: لست بحاكم علينا ولا تملكنا إلا في الدنيا ما دام الروح فينا.
قوله تعالى: {إِنَّا امَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا}، يعني: ما عملنا في حال الشرك، {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر}؛ يعني: ليغفر لنا ما أجبرتنا عليه من السحر يروى أن فرعون أكرههم على تعلم السحر {والله خَيْرٌ وأبقى}، يعني: الله خير لنا منك وأدوم، وثواب الله عز وجل خير من عطائك وأبقى مما وعدتنا به من التعذيب.
{إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} أي: مشركًا؛ والهاء للعباد وهذا قول الله تعالى عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه من يأت ربه يوم القيامة كافرًا، {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى}، يعني: لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة تنفعه.
قوله عز وجل: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا}، يعني: يأتي يوم القيامة مؤمنًا يعني: مصدقًا، {قَدْ عَمِلَ الصالحات}؛ يعني: الطاعات.
{فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى}، يعني: الفضائل في الجنة.
ثم قال: {جنات عَدْنٍ}، يعني: هي جنات عدن.
{تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا}، يعني: دائمين في الجنة.
{وذلك جَزَاء مَن تزكى}، يعني: ثواب من وحَّد.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى}، يعني: سر بعبادي ليلًا {فاضرب لَهُمْ طَرِيقًا}؛ يعني: بيِّن لهم طريقًا {فِى البحر يَبَسًا}، يعني: يابسًا.
{لاَّ تَخَافُ دَرَكًا} يعني إدراك فرعون، {وَلاَ تخشى} الغرق.
قرأ حمزة: {لاَ تَخَفْ دَرَكًا} على معنى النهي، يعني: لا تخف أن يدركك فرعون؛ وقرأ الباقون {لاَّ تَخَافُ} بالألف ومعناه لست تخاف؛ وقال أبو عبيد بهذا نقرأ، لأن من قرأ بالجزم يلزم أن يخشى، لأنه حرف معطوف على الذي قبله.
ثم قال: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ}، يعني: لحقهم فرعون بجموعه، {فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ}؛ يعني: أصابهم من البحر ما أصابهم؛ ويقال: علاهم من البحر ما علاهم حين التقى البحر عليهم، ويقال: فغشيهم من البحر ما غرقهم.
{وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى}، يعني: أهلكهم وما نجا بنفسه، ويقال: أضلهم بحمله إياهم على الضلالة، {وَمَا هدى} يعني: ما هداهم إلى الرشاد وهذا رد لقوله: {وَقَالَ الذى ءَامَنَ يا قوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد} [غافر: 38] ويقال: {وَمَا هدى} يعني: ما هداه إلى الصواب.
ثم ذكر نعمته على بني إسرائيل فقال عز وجل: {يا بنى إسراءيل قَدْ أنجيناكم مّنْ عَدُوّكُمْ}، يعني: فرعون، {وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن}؛ يعني: يمين موسى، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى} حيث كانوا في التيه.
{كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم}، يعني: قال لهم: كلوا من حلالات ما رزقناكم، يعني: أعطيناكم.
قرأ حمزة والكسائي {أَنْجَيْتكُمْ وَوَاعَدْتكُمْ مَا رَزَقْتكُمْ} الثلاثة كلها بالتاء؛ وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر الثلاثة بالألف والنون، وقرأ أبو عمرو بالتاء إلا قَوْلَهُ: {قَدْ أنجيناكم مّنْ عَدُوّكُمْ وواعدناكم}.
ثم قال: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ}، أي: لا ترفعوا منه شيئًا للغد، {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى}؛ يعني: فيجب وينزل عليكم عذابي.
{وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى}، يعني: يجب وينزل عليه غضبي، {فَقَدْ هوى}؛ يعني: هلك وتردى في النار.
وقرأ الكسائي {فَيَحِلَّ} بضم الحاء ومن {يَحْلِلْ} بضم اللام، والباقون كلاهما بالكسر.
فمن قرأ بالضم يعني: ينزل، ومن قرأ بالكسر يعني: يجب.
{وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ}، يعني: رجع من الشرك والذنوب {وَامَنَ} يعني: صدق بالله ورسله، {وَعَمِلَ صالحا}؛ يعني: خالصًا فيما بينه وبين ربه، {ثُمَّ اهتدى}؛ يعني: علم أن لعمله ثوابًا؛ وهذا قول مقاتل.
وروى جويبر عن الضحاك في قوله: {ثُمَّ اهتدى} أي: ثم استقام، وروى وكيع عن سفيان قال: {ثُمَّ اهتدى}، أي: مات على ذلك وقال ابن عباس: {ثُمَّ اهتدى} أي: مات على السنة. اهـ.

.قال الثعلبي:

{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} يعني فرعون {آيَاتِنَا كُلَّهَا} يعني اليد والعصا والآيات التسع {فَكَذَّبَ} بها وزعم أنّها سحر {وأبى} أن يُسلم {قَالَ} فرعون {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} يعني مصر {بِسِحْرِكَ ياموسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} فاضرب بيننا وبينك أجلًا وميقاتًا {لاَّ نُخْلِفُهُ} لا نجاوزه {نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَانًا سُوًى} مستويًا. قرأ الحسن وعاصم والأعمش وحمزة سُوى بضم السين، الباقون: بكسر وهما لغتان مثل عُدي وعِدَي، وطُوى وطِوى.
قال قتادة ومقاتل: مكانًا عدلًا بيننا وبينك، وقال ابن عباس: صفًا، وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان، وقال أبو عبيد والقيسي: وسطًا بين الفريقين، وقال موسى بن جابر الحنفي:
وإن أبانا كان حلّ ببلدة ** سوىً بين قيس قيس عيلان والفزر

الفزر: سعد بن زيد مناة.
{قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة} قال ابن عباس وسعيد بن جبير: يعني يوم عاشوراء.
وقال مقاتل والكلبي: يوم عيد لهم في كل سنة يتزيّنون ويجتمعون فيه.
وروى جعفر عن سعيد قال: يوم سوق لهم، وقيل: هو يوم النيروز.
وقرأ الحسن وهبيرة عن حفص يومَ الزينة بنصب الميم أي في يوم، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر.
{وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى} وقت الضحوة، يجتمعون نهارًا جهارًا ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة. {فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} حِيَلِه وَسَحَرَتَه {ثُمَّ أتى} الميعاد.
قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعون ساحرًا مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقيل: كانوا أربعمائة.
{قَالَ} موسى للسحرة {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم} قرأ أهل: الكوفة فيسُحِتكم بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء، وهما لغتان: سحتَ وأسحت.
قال مقاتل والكلبي: فيهلككم، وقال قتادة: فيستأصلكم، وقال أبو صالح: يذبحكم، قال الفرزدق:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ** من المال إلاّ مسحت أو مجلف

{فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النجوى} أي المناجاة تكون اسمًا ومصدرًا. {قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ} قرأ عبد الله: واسرّوا النجوى إن هذان ساحران بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام، وقرأ ابن كثير وحفص إن بكسر الالف وجزم النون هذان بالألف على معنى ما هذان إلاّ ساحران، نظيره: قوله: {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين} [الشعراء: 186] قال الشاعر:
ثكلتك أُمكّ إن قتلتَ لمُسلمًا ** حلّت عليك عقوبة الرَّحْمن

يعني ما قتلت إلاّ مسلمًا، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أُبي بن كعب: إن ذان إلاّ ساحران، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء: إن هذين لساحران بالياء على الأصل، قال أبو عمرو: وإني لإستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان، وقرأ الباقون: إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكربن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا: حدَّثنا أبو العباس الأصم قال: حدَّثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدَّثنا الفرّاء قال: حدَّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء {لكن الراسخون} [النساء: 162] {والمقيمين} [النساء: 162] وعن قوله في المائدة {إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون} [المائدة: 69] وعن قوله: {إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] فقالت: يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب.
وقال عثمان بن عفان: إنّ في المصحف لحنًا وستقيمه العرب بألسنتهم.
وقال أبان: قرئت هذه الآية عند عثمان فقال: لحن وخطأ، فقيل له: ألم تغيّره فقال: دَعُوه فإنّه لا يُحلّ حرامًا ولا يحرّم حلالًا، وقال آخرون: هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف.
قال الفرّاء: أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه.
وأطرق إطراق الشجاع ولو ترى ** مساغًا لناباه الشجاع لصمما

ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه. وقال الشاعر:
تزوّد منّا بين أُذناه ضربة ** دعته إلى هابي التراب عقيم

أراد بين أُذنيه. وقال آخر:
أي قلوص راكب نراها ** طاروا علاهنّ فطر علاها

أي عليهن وعليها. وقال آخر:
إنَّ أباها وأبا أباها ** قد بلغا في المجد غايتاها

وروي أنّ أعرابيًا سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يعني نعم. وقال الشاعر:
بكرتْ عليّ عواذلي يلحينني وألو مهنَّه ** ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه

أي نعم، وقال الفراّء: وفيه وجه آخر: وهو أن يقول: وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: الذي ثمَّ زادوا نونًا يدلّ على الجمع فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول: اللَّذوُنَ.
{يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} مصر {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى} حدَّث الشعبي عن عليّ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية.
وقال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي: يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول.
وقال عكرمة: يعني يذهب أخياركم.
وقال قتادة: طريقتكم المُثلى يومئذ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددًا يومئذ وأموالًا، فقال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما.
وقال الكسائي: بطريقتكم يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم، والمثلى نعت للطريقة، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم.
قال الشاعر:
فكم متفرقين منوا بجهل ** حدى بهم إلى زيغ فراغوا

وزِيغ بهم عن المثلى فتاهوا ** وأورطهم مع الوصل الرداغُ

فزلّت فيه أقدام فصارت ** إلى نار غلا منها الدماغ

والمثلى تأنيث الأمثل.
{فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع يعني لا تدعوا شيئًا من كيدكم إلا جئتم به، وتصديقه قوله: فجمع كيده، وقرأ الباقون: فأجمعوا بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، يقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب:
فكأنّه بالجزع جزع يتابع ** وأولاه ذي العرجاء تهب مجمّع

والثاني: بمعنى العزم والأحكام، يقول: أجمعت الأمر وأزمعته، وأجمعت على الأمر وأزمعت عليه إذا عزمت عليه. قال الشاعر:
ياليت شعري والمنى لا تنفع ** هل أغدونْ يومًا وأمري مجمع

أي محكم، وقد عزم عليه كيدكم ومكركم وسحركم وعلمكم.
{ثُمَّ ائتوا صَفًّا} قال مقاتل: والكلبي: جميعًا، وقيل: صفوفًا، وقال أبو عبيد: يعني المصلّى والمجتمع، وحُكي عن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصفّ أمس، يعني المصلّى. {وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى} يعني فاز من غلب.